إن المتأمل في سيرة النبي ﷺ يدرك أن الله تعالى قد أحاطه بكل أنواع الجمال والكمال قبل أن يُبعث، فبعد أن وصفنا بَهيَّ صورته وخِلقته، ننتقل اليوم لنعرف أصله ومنبته فالمعدن النفيس لا يخرج إلا من منبتٍ شريف وكما يقول ابن القيم
هو محمد بن عبد الله... خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، وشرف قومه من قِبَلِ نفسه، بل هو الذي شرفهم.
تبدأ السيرة على يد من أنشأها فالله لا يختار لنبوته إلا أكمل البشر نسبًا وخُلقًا.. في مكة عام الفيل، الذي شهد حماية بيته العتيق، كان ميلاد نبينا الحبيب محمد بن عبد الله ﷺ وكان العالم آنذاك منقسمًا بين إمبراطوريات متنازعة، وديانات متعددة، فجاء هذا الميلاد إيذانًا بظهور نظام جديد، سيغير وجه التاريخ.
النسب
الرسول ﷺ هو خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق ولنسبه من الشرف أعلى الذروة.. فهو سليل بني هاشم من صميم قريش، وقد اصطفاه الله من خيار خيار العرب ليكون نسبه الشريف محفوظًا معروفًا، حتى عند خصومه... وقد شهد له بذلك عدوه أبو سفيان بين يدي ملك الروم.
وهو
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وهذا النسب معلوم الصحة عند أهل العلم إلى عدنان ولا خلاف بين أهل العلم أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، وهو الذبيح على القول الراجح عند علماء الصحابة والتابعين.
اليُتم
شاءت الحكمة الإلهية أن يبدأ النبي ﷺ حياته باليُتم المبكر.. فقد فقد والده عبد الله قبل أن يراه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وهو في السادسة من عمره، ليعيش بعد ذلك في كنف جده عبد المطلب، ثم عمه أبي طالب.
لم يكن هذا اليُتم نقصًا، بل كان تهيئة ربانية ليُربَّى قلبه على التعلق بالله وحده، فيكون الله هو الذي آواه وأدبه فأحسن تأديبه.
مرضاعته
في البداية أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أيامًا، وأرضعت معه أبا سلمة وحمزة بن عبد المطلب.. وقد ورد في بعض الروايات أن أبا لهب قد أعتقها فرحاً بولادته، فكانت كرامته أن وضع له في مقبض إبهامه بعض الماء ليشرب منه في النار.
ثم كانت رحلته إلى بادية بني سعد مع مرضعته حليمة السعدية مرحلةً مفصلية في حياته ﷺ فقد اكتسب فصاحة اللسان وقوة البنية.. ولم تأخذه حليمة إلا وهي في فقر، فعادت بهم البركة في الرزق والماشية، لتكون من أوائل ما شاهده الناس من أثر بركته ﷺ على من حوله.
تهيئة القلب
كانت حادثة شق الصدر في البادية إشارة واضحة للتهيئة الإلهية والتطهير، إعداداً ووقاية لهذا القلب العظيم لحمل أمانة الوحي، وتمهيدًا لما سيلازمه ﷺ من حفظٍ وتسديد في مسيرته كلها.
شبابه
بعد سنوات الرعاية، كان شباب النبي ﷺ مثالًا للعمل الشريف والخلق السامي فقد حُفظ من أقبح أعمال الجاهلية، ونشأ نقي الفطرة، مستقيم السلوك.
عمل النبي ﷺ راعيًا للغنم في شعاب مكة، ولم يكن ذلك عملًا عابرًا، بل تدريبًا ربانيًا على الصبر، والتواضع، وحسن القيادة، تمهيدًا لقيادة البشر والأمم.
وقد شارك النبي ﷺ في رحلات تجارية، ومنها رحلته إلى الشام، فكانت هذه الرحلات اختبارًا عمليًا لصدقه وأمانته حتى لقبه قومه بإجماعهم بـ الصادق الأمين، لتكون هذه الصفة الركيزة الأولى لرصيده الأخلاقي في مجتمعه.
ولم يشارك النبي ﷺ في قبيح الجاهلية، لكنه شارك في كل ما كان نبيلًا منها.. فكانت مشاركته في حلف الفضول وهو تحالف لنصرة المظلوم ورد الحقوق دليلًا على فطرته السليمة وإيثاره للعدل. وقد قال عنه بعد البعثة
«لو دُعيتُ لمثله في الإسلام لأجبتُ»
في دلالة على أن قيمه كانت متوافقة مع جوهر الإسلام قبل نزول الوحي.
وقد شارك في حرب الفِجار بمناولة أعمامه السهام، مؤكدًا حضوره الاجتماعي دون انخراط مباشر في القتال.
بهذا الإعداد المتقن، بلغ نبينا الحبيب ﷺ مرحلة الشباب مؤهلًا ليكون زوجًا صالحًا، ثم نبيًا مبعوثًا بالحق. لم تكن مرحلة في حياته عبثًا، بل كانت كل تجربة لبنة في بناء شخصيته العظيمة التي ستحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية
المصادر
كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن قيم الجوزية



ما شاء الله مقال جميل جداً بارك الله فيج ان شاء الله