«لا أؤمن كثيرًا بمسمّى “الصديقات” في عالم الإنترنت، وربما الواقع أحيانًا. أظن أن هناك محبة خفيفة، وفضولًا للحديث، ورغبة لدى البعض في تبادل المعرفة أو التجربة، وربما شعورًا مؤقتًا بالقرب، لكنني لا أستطيع أن أرى ذلك في داخلي كصداقة حقيقية كاملة. أما في عالم الآخرين فأشعر أن هذا المفهوم موجود فعلًا، لأنني أراه يتكرر أمامي ولكن هل هو دائما لهم او مجرد علاقة عابرة.
قبل فترة من الزمن تعرّفت على إحدى الفتيات، وأظن أننا صديقتان. كنا نتحدث كثيرًا، كثيرًا إلى حدٍّ يجعلني أتعجّب من فكرة أن هناك من يقضي كل هذا الوقت في الحديث مع شخص واحد. كان ذلك بالنسبة لي أمرًا غير مألوف، كنت أظن أن العلاقات لا يمكن أن تمتد بهذا الشكل الطويل دون أن تفقد معناها أو تتبدّل. لكنني مع الوقت بدأت أظن أن هذا ممكن، إذا اجتمع شخصان بطريقة ما تشبه التوافق أو الراحة غير المفسّرة بالنسبة لدي مجرد شعور هذا الشخص ارتاح معه.
ومع ذلك، كنت أعود في داخلي إلى سؤال لا يغادرني: ما هو الصديق فعلًا؟ هل هو من نحبه؟ أم من نحادثه كثيرًا؟ أم من يقف معنا عندما نحتاج إليه؟ أم هو مزيج من كل ذلك، شيء لا يمكن تفكيكه إلى تعريف واحد؟ لكنني كلما حاولت جمع هذه الصفات في شخص واحد، أجد أن الصورة لا تكتمل. وكأن كل إنسان يمنح جزءًا من هذا المعنى، ولا يمنحه كاملًا. وحتى أنا ربما لا أكون ذلك الشخص الكامل في نظر الآخرين وربما لا شيء، وهذا الأمر لا أعرف إن كان نقصًا أم طبيعة بشرية عادية، لكنني أميل إلى التفكير بأنه طبيعي، رغم أنه يترك داخلي شيئًا من التفكر أنه متواجد ولكن ليس في عالمي.
هل نحن حقًا بحاجة إلى صديق؟ وهل من يعيش دون صديق يُعد غريبًا أو ناقصًا؟مثلما يطلق الآخرين وحيد متوحد، أو البعض. يقول أنه يعيش عزلة رائعة أتمني أن أكون مثلك.
ولكن إذا كنت تملك صديق ، ما فائدة ذلك الصديق إذا كان مجرد رقم إضافي في حياة مزدحمة، لا يُشعر صاحبه بقيمته، ولا يراه كما هو، ولا يمنحه مساحة حقيقية ليكون نفسه؟ هل يمكن أن نطلق عليه اسم “صديق” إذا لم يكن له أثر، أو حضور، أو معنى داخلي او مجرد حضور لكي لا يكون أن شخص إنطوائي غير محبوب في نظرة المجتمع.
أشعر أن الأمر معقّد بالنسبة لي، ليس لأن الإجابة صعبة فقط، بل لأن المفهوم نفسه يتغيّر في داخلي كل مرة أفكر فيه. ولهذا أجدني أكرّر الكلمات كثيرًا، كأن التكرار محاولة لفهم شيء لا يثبت على شكل واحد.
أحيانًا تبدو الحياة بلا أصدقاء أكثر هدوءًا مما يتوقع الناس. العائلة هنا تبدو كأنها الأساس الثابت، وكأنها الأرض التي لا تحتاج إلى تعريف أو اختيار معقد. لكنني لا أعرف إن كان هذا الاكتفاء دائمًا أم أنه مرحلة فقط، تتغير مع العمر، أو مع تغيّر النفس واحتياجاتها.
كنت أسأل إخوتي الصغار عن الأصدقاء، وكان ذلك يساعدني على فهم الفكرة من زوايا مختلفة. كانت إجاباتهم بسيطة لطيفة. لكن أخي الذي يبلغ من العمر تسع سنوات، وهو اجتماعي ومحبوب بين أقرانه، كان يقول إنه لا يحب هذا كله، وإنه مكتفٍ بنا نحن العائلة، وإنه لا يرى حاجة حقيقية إلى الصداقة، لأن الإخوة بالنسبة له يكفون”ولماذا أحتاج لهم وانتم لدي”.
أدهشتني إجابته، لأنها خرجت من طفل يعيش وسط علاقات يُفترض أنها تجذبه نحو العالم الخارجي. توقفت لحظة وأنا أفكر: هل هذه قناعة حقيقية؟ أم شعور مؤقت بالاكتفاء؟ أم أن الأطفال أحيانًا يرون البساطة التي نفقدها نحن مع الوقت ويجدون في كنف العائلة التفاهم والأمان لذلك.
ويعود السؤال هل نحتاج فعلًا إلى صديق؟ربما لو وُجد، فإنه لا يكون شخصًا نضع فيه كل احتياجاتنا، بل يكون مساحة نشارك فيها بعض ما لا نستطيع قوله في أماكن أخرى، مع ضرورة وجود حدود، لأن تجاوز الحدود قد يحوّل القرب إلى ثقل، أو التوقع إلى خيبة.
إحدى الفتيات التي تعرّفت عليها مؤخرًا كانت ترى أن العالم الرقمي مريح لأنها تتحدث مع أشخاص لا يعرفونها، لا يحكمون عليها، ولا يحملون عنها صورة مسبقة. مجرد حديث عابر وينتهي في أخر نقطة، بلا توقعات، بلا ضغط، بلا حاجة لأن تكون شيئًا معينًا. كانت ترى في ذلك نوعًا من الحرية، أو ربما نوعًا من الحماية من خيبة التوقع من الآخرين.
لكن في المقابل، بدا لي هذا النوع من العلاقات هشًّا أيضًا. كأنه جميل من الخارج لانه يمنحك ما تحتاج لانك تريد الحديث، لكنه لا يملك جذورًا حقيقية تبقى مع الزمن. وهذا التناقض جعلني أفكر: هل نبحث عن الراحة وعدم الحكم، أم عن العمق؟ وهل يمكن أن يجتمعا معًا فعلًا، أم أنهما نادرًا ما يلتقيان؟
هناك أيضًا نوع آخر من الصداقة، ذلك الذي يخفف الحزن دون أن يملك حلوله. مجرد وجود شخص بجانبك، حتى بصمت، قد يخفف ما لا تخففه الكلمات. سمعت في بعض البودكاست أن المواساة وحدها قد تعيد للإنسان شعوره بأنه ليس وحده، وأن الحياة رغم قسوتها لا تنغلق عليه تمامًا.
لكن الحياة في النهاية لا تتوقف. لا تنتظر حزن أحد، ولا تُبطئ من أجل ألم أحد. تمضي كما هي، ببرودها واستمرارها، وكأنها لا تلتفت كثيرًا لما يحدث داخلنا.
وربما لهذا نحتاج من يذكّرنا بأننا ما زلنا جزءًا منها، لا خارجها.
ما الصديق في نظركم؟ هل هو من يرافقك دائمًا؟ أم من يفهمك حتى في صمته؟ أم من يكون حاضرًا عندما تحتاجه فقط؟ وهل يمكن أن يوجد هذا الشكل من الصداقة فعلًا، أم أننا نرسم صورة مثالية لا تتحقق إلا نادرًا؟
أحيانًا أظن أننا لا نبحث عن أشخاص كاملين، بل عن لحظات صدق حقيقية، ولو كانت قليلة. لحظات تجعلنا نشعر أننا مفهومون ولو بشكل جزئي.
وفي النهاية، أجد نفسي أعود إلى فكرة واحدة تتكرر في داخلي: أن الإنسان مهما بحث في العلاقات، يبقى محتاجًا إلى معنى أعمق يثبته من الداخل. ولهذا أجد أن العلاقة مع الله هي الأكثر ثباتًا، لأنها لا تقوم على توقعات متبادلة، ولا على خوف من فقدان، بل على سكينة لا تحتاج إلى تفسير.
ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحًا، ويظل الإنسان يبحث، لأن البحث نفسه جزء من طبيعتنا لمن لم يجد الاكتفاء
ربما المعضلة الحقيقية ليس في قلة العلاقات أو كثرتها، بل في الفراغ الداخلي حين لا يكون للإنسان ما يربطه بنفسه. لأن الإنسان حين لا يعرف نفسه، ولا يفهم ما بداخله، ولا يملك معنى يثبته من الداخل، يصبح شديد الاعتماد على الخارج على الأشخاص، وعلى القبول، وعلى أي علاقة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالامتلاء.».





ممتنة لكِ حبيبة قلبي ♥️
من أروع ما قرأت، سلمتْ أناملك